مينانيوزواير، مصر: في قلب عروس البحر المتوسط، مدينة الإسكندرية، يقف محل الزهور أو بافيون دي فلوريل كأحد أقدم محال الزهور في العالم، وواحد من أقدم الشواهد الحيّة على تلاقي التاريخ والفن والسياسة في مصر، فهذا المكان، الذي تجاوز كونه متجراً لتنسيق الورود، تحوّل عبر العقود إلى ذاكرة مفتوحة تروي حكايات من الزمن الملكي إلى العصر الجمهوري، ومن القصر إلى شاشة السينما.

تعود بدايات “أو بافيون دي فلوريل” إلى النصف الأول من القرن العشرين، حين كان يُعرف بكونه المورّد الرئيسي للزهور إلى القصر الملكي في عهد الملك فاروق. وقد لعب المحل دوراً بارزاً في تزيين المناسبات الملكية الكبرى، وعلى رأسها حفل زفاف الملكة فريدة، حيث كانت الورود المختارة بعناية تعكس فخامة الحدث ورمزيته التاريخية.
ومع قيام ثورة 23 يوليو عام 1952، انتقل المحل بسلاسة من خدمة القصر إلى المشاركة في الحياة العامة، إذ تولّى تزيين احتفالات الثورة خلال خمسينيات القرن الماضي، ليؤكد استمراريته وقدرته على مواكبة التحولات الكبرى في تاريخ مصر، دون أن يفقد هويته أو مكانته.
ويقول صبري محمد محمود، منسق الزهور في “أو بافيون دي فلوريل”: “نحن لا نعمل في محل زهور عادي، بل في مكان يُعد من أقدم محال الزهور في العالم، وتحديداً هنا في الإسكندرية. كل زاوية في المحل تحمل قصة، وكل باقة ورد لها حكاية”. ويضيف أن المحل استقبل على مر السنين طلبات خاصة من شخصيات عامة وفنانين كبار، ما جعله ملتقى للنخبة الثقافية والفنية.

من جانبه، يوضح ماهر محمد محمود، منسق الزهور بالمحل، أن “الزهور كانت دائماً لغة مشتركة بين الفن والمجتمع”، مشيرًا إلى أن أسماء لامعة مثل أم كلثوم وإسماعيل ياسين، ارتبطت بالمحل، سواء عبر طلبات خاصة أو حضور اجتماعي.
وامتد حضور “أو بافيون دي فلوريل” إلى السينما المصرية، إذ صُوّرت داخله مشاهد من فيلم موعد غرام، الذي جمع سيدة الشاشة العربية فاتن حمامة والعندليب الأسمر عبد الحليم حافظ، ليضيف إلى تاريخ المكان بُعداً فنياً خالداً.
واليوم، يواصل “أو بافيون دي فلوريل” في الإسكندرية أداء دوره كأيقونة تاريخية وثقافية، مؤكداً أن الزهور، رغم بساطتها، قادرة على حفظ ذاكرة مدينة، وربما ذاكرة عالم كامل.
